الشيخ سليمان الماحوزي البحراني
378
كتاب الأربعين
ذلك ، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده ، فكيف ولو كان في بلد بعيد وفي زمن قديم قد انقضى ، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من أربعمائة سنة في مكان بعيد ، وقد تطرق التعصب في الواقعة ، فكثرت فيها الأحاديث من الجوانب ، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلا ، وإذا لم يعرف وجب احسان الظن به . ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما ، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر ، والقتل ليس بكفر بل هو معصية ، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة ، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه ، فكيف من تاب عن قتل ، ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة ، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ، فاذن لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين ، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله تعالى . ولو جاز لعنه فسكت عنه لم يكن عاصيا بالاجماع ، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة : لم لا تلعن إبليس ؟ ويقال لللاعن : لم لعنت ؟ ومن أين عرفت أنه مطرود ملعون ؟ والملعون هو المبعد من الله عز وجل ، وهو غيب لا يعرف الا في من مات كافرا ، فان ذلك علم بالشرع . وأما الترحم عليه ، فهو جائز بل مستحب ، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة ( اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات ) فإنه كان مؤمنا والله أعلم ، كتبه الغزالي ( 1 ) . أقول : هذا نصب عظيم من الغزالي لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وانكار للضروريات ، ودفع للمتواترات بالراح ، فان رضا يزيد - لعنه الله - بقتل الحسين ( عليه السلام ) وأمره به وبسط الأموال على الأنطاع ، وامداده ابن زياد بالجيوش والعساكر ، مما تواتر وأجمعت عليه التاريخ والسير على اختلاف مذاهبهم وتفاوت معتقداتهم ونحلهم . وقد صنف ابن الجوزي الحنبلي كتابا في جواز لعنه ، سماه الرد على المتعصب العنيد
--> ( 1 ) وفيات الأعيان لابن خلكان 3 : 287 - 289 .